السيد نعمة الله الجزائري
348
عقود المرجان في تفسير القرآن
« أَ لَمْ يَعْلَمُوا » . قرئ بالياء والتاء . وفيه وجهان : أحدهما أن يراد المتوب عليهم . يعني : ألم يعلموا قبل أن يتاب عليهم وتقبل صدقاتهم « أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ » إذا صحّت ويقبل الصدقات إذا صدرت عن خلوص النيّة ؟ ومعنى التخصيص في « هُوَ » أنّ ذلك ليس إلى رسول اللّه إنّما اللّه هو الذي يقبل التوبة ويردّها ، فاقصدوه بها . « قُلِ » لهؤلاء التائبين : « اعْمَلُوا » . فإنّ عملكم لا يخفى - خيرا كان أو شرّا - على اللّه وعباده ، كما رأيتم وتبيّن لكم . والثاني أن يراد غير التائبين ترغيبا لهم في التوبة . فقد روي أنّه لمّا تيب عليهم ، قال الذين لم يتوبوا : هؤلاء الذين تابوا كانوا بالأمس معنا لا يكلّمون ولا يجالسون . فما لهم ؟ فنزلت . « 1 » « فَسَيَرَى اللَّهُ » ؛ أي : يعلمها موجودة بعد أن يعلمها معدومة . « وَالْمُؤْمِنُونَ » ؛ أي : الشهداء والملائكة الذين هم الحفظة للأعمال . وروى أصحابنا أنّ أعمال الأمّة تعرض على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله في كلّ اثنين وخميس . وكذلك تعرض على أئمّة الهدى عليهم السّلام فيعرفونها . وهم المعنيّون بقوله : « وَالْمُؤْمِنُونَ » . « 2 » [ 106 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 106 ] وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 106 ) « وَآخَرُونَ » - أي من المتخلّفين - موقوف أمرهم « إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ » إن بقوا على الإصرار ولم يتوبوا « وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ » إن تابوا . وهم ثلاثة : كعب بن مالك ، وهلال بن أميّة ، ومرارة بن الربيع . أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أن لا يسلّموا عليهم ولا يكلّموهم . ولم يفعلوا كما فعل أبو لبابة وأصحابه من شدّ أنفسهم وإظهار الجزع . فلمّا علموا أنّ أحدا لا ينظر إليهم ، فوّضوا أمرهم إلى اللّه ، فرحمهم اللّه . « 3 » عن أبي جعفر عليه السّلام في قوله : « وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ » - الآية - : انّ هؤلاء لهم منزلة بين الإيمان والكفر . وهم قوم كانوا مشركين فقتلوا مثل حمزة وجعفر وأشباههما ، ثمّ دخلوا بعد
--> ( 1 ) - الكشّاف 2 / 308 . ( 2 ) - مجمع البيان 5 / 104 . ( 3 ) - الكشّاف 2 / 308 - 309 .